السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
98
مفاتيح الأصول
من إجمال الخطاب فلم يتحقق شهرتهم في عدم اعتبار الشّهرة حينئذ فيرجع فيه إلى حكم الأصل ويعضد ذلك فحوى ما دلّ على اعتبار الغلبة ونحو ما في مقام ترجيح أحد المجازين أو التخصيص إذ الظن الحاصل منها أضعف من الظن الحاصل من الشّهرة لا أن يقال إنّ الظنّ الحاصل من الغلبة ظن مخصوص اعتبره بل اللَّسان في دلالة الألفاظ وأمّا ظنّ الشهرة فغير معلوم اعتباره فتأمل القول في حروف محتاج إليها مفتاح اختلف القول في استعمال لفظ الباء الدّاخلة على الفعل المتعدي بنفسه كما في قوله تعالى وامسحوا برؤوسكم في التبعيض على قولين الأوّل أنّه لم يستعمل فيه أصلا وهو لابن جني وجماعة من الأصوليين وحكي عن سيبويه أنّه ادعى ذلك في سبعة عشر موضعا من كتابه الثاني استعمل فيه وهو محكي عن كثير من اللَّغويين كابن قتيبة وأبي علي الفارسي والأصمعي وابن كيسان وابن مالك والفيروزآبادي والكوفيين وأكثر النّحاة بل وعن ابن جني أيضا وعليه جمع كثير من الأصوليّين تأتي إليهم الإشارة وبالجملة عليه المعظم وهو المعتمد لوجوه الأوّل تصريح جمع كثير من أهل اللَّغة بذلك ولا يعارضه إنكار سيبويه وابن جنّي لأن شهادة الإثبات مقدّمة الثاني استشهدوا به على ذلك من نحو قوله تعالى عينا يشرب بها عباد اللَّه وقوله شربن بماء البحر ثم ترفعت الثالث الصّحيح الَّذي رواه المشايخ الثلاثة عن زرارة عن مولانا الباقر عليه السلام قال قلت له ألا تخبرني من أين علمت وقلت إن المسح ببعض الرأس والرجلين إلى أن قال ثم فصّل بين الكلامين فقال وامسحوا برؤوسكم أنّه المسح ببعض الرأس لمكان الباء وقد استند إلى هذا الحديث جمع من الأصحاب في كون الباء في الآية الشريفة للتبعيض وقد حكى الشيخ وغيره عن أصحابنا التصريح بأنّها فيها له وهل الأصل لزوم حملها على ذلك أو لا بل يفتقر في حملها إلى قرينة الأقرب الأول فإنها ظاهرة فيه وعليه السّيد والشيخ وابن زهرة والعلامة وابنه والشّهيد والمحقق الثاني والسّيوري والشافعي والرّازي والبيضاوي وحكي عن القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري ومحققي الأصول وجمع من أئمة العربيّة ويظهر من الشهيد الثّاني أن الناطق على مجيئها له يريد الحقيقة والحجة على المختار أمور الأوّل ما استند إليه وابنه والشهيد من النّقل من أهل اللَّغة ويعضده الشهرة العظيمة الثاني أنها لو لم تكن للتبعيض حينئذ لكانت زائدة إذ لا فائدة غيره لحصول الإلصاق والتعدية بدونها وعدم صلاحية معنى آخر للإرادة منها وأمّا إرجاع الفعل المتعدي بنفسه إلى اللازم بالتضمين كما فعله بعض في قوله تعالى وامسحوا برؤوسكم فلا يخفى بعده ومخالفته للأصل والتالي باطل لأن الأصل عدم الزّيادة فالمقدم مثله الثالث ظهور الصّحيح المتقدم في ذلك فتأمل مفتاح اعلم أن لفظة في تستعمل في معان منها الظرفية وهي حقيقة نحو الماء في الكوز ومجازية نحو قوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل ومنها السّببيّة وقد نصّ عليه جمع منهم صاحب ق وابن هشام واستشهد عليه بقوله عليه السلام وإن امرأة دخلت النّار في هرة حبستها وأنكره المحقق والعلامة والبيضاوي والعبري والأصفهاني كما عن الرازي ولا عبرة به لأن شهادة الإثبات مقدّمة فتأمل ومنها الاستعلاء وقد نصّ عليه الحاجبي وعن البصريين إنكاره ومنها معنى إلى نحو فردّوا أيديهم في أفواههم ومنها معنى من منها الإلصاق والحق أنها حقيقة في الظَّرفية فقط فلا يجوز حمل إطلاقها مجردا عن القرينة إلَّا عليها لوجهين الأوّل لأنّها المتبادرة منها دون غيرها ولو كانت في غيرها أو فيها وفي غيرها حقيقة لكان المتبادر غيرها أو هو معها واللازم باطل لما بيّنا من أن المتبادر الظرفية لا غير الثاني أنّه حكي إجماع أهل اللَّغة والعربية على كونها حقيقة في الظرفية فلو كانت في غيرها حقيقة للزم الاشتراك والأصل عدمه وربّما يحكى عن بعض الأصوليين القول بكونها حقيقة شرعيّة في السّببية لا غير ويدفعه أصالة عدم النقل وأنّه يلزم أن يكون مرادفة للَّام في عرف الشارع لأن اللَّام حقيقة في عرفه كغيره في السّببيّة قطعا والأصل عدمه ثم إنّ الظرفية المستفادة من في ظرفية مطلقة بمعنى أنّه لا إشعار فيها يكون المظروف في أول الظرف أو وسطه أو آخره لاشتراك الثلاثة في معناه عرفا وقد صرّح بما ذكر في التمهيد مفتاح اعلم أن لفظة من تستعمل في معان منها ابتداء الغاية مكانا بالاتفاق كما حكي أو زمانا على قول المبرّد وابن درستويه والأخفش والكوفيين فيما حكي عنهم وصار إليه أيضا ابن هشام وابن مالك ونجم الأئمة والسّيّد الشريف لشيوع صمت من يوم الجمعة وقمت من أول اللَّيل وأنكره البصريّون فيما حكي عنهم ومنها التبعيض نحو أخذت من الدّراهم ومنها التبيين نحو قوله تعالى واجتنبوا الرّجس من الأوثان وحكي عن قوم منهم الزمخشري إنكار مجيئها له وحملوا من في هذا القول على ابتداء الغاية والمعنى فاجتنبوا من الأوثان الرّجس واستبعده نجم الأئمة ومنها البدلية والظرفية ومعنى عند والمجاوزة والتعليل ومعنى ربّما وعلى والباء وإلى وقد تأتي زائدة في النفي وشبهه نحو ما جاءني من أحد قيل وهي حينئذ لعموم النفي عن الأخفش جواز زيادتها في الموجب لقوله تعالى ولقد جاءك من نبإ المرسلين فإذا عرفت هذا فاعلم أن الظاهر أن استعمالها فيما عدا الثلاثة الأوّل مجاز لا تحمل عليه مجردا عن القرينة ولم أجد فيه خلافا والحجّة عليه واضحة وأمّا فيها فاختلف فيه الأصوليّون فذهب العلامة في التهذيب إلى أنها مشتركة بينها لا تحمل على أحدها إلَّا بقرينة تدل عليه فجعلها